النويري
37
نهاية الأرب في فنون الأدب
* ( ومَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ الله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) * [ 1 ] ، وقال : رب قد بذلت نفسي في سبيلك فتقبّلها بقبول حسن ، ونويت المصابرة في نصرة دينك ، وأرجو أن أشفع النّيّة بعمل يغدو لسان السّنان في وصفه ذا لسن ، وتلا * ( رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وثَبِّتْ أَقْدامَنا وانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ) * [ 2 ] واهزم عدونّا فقد بايعناك على المصابرة * ( والله مَعَ الصَّابِرِينَ ) * . [ 3 ] ، وابتهل إلى اللَّه في طلب التأييد ، وتضرّع إليه في ذلك الموقف الذي ما رآه إلَّا من هو في الآخرة شهيد ، وفى الدنيا سعيد ، هذا والسيوف قد فارقت الأغماد ، وأقسمت أنها لا تقرّ إلا في الرؤوس ، والأسنة قد أشرعت وآلت أنها لا تروى ظمأها إلا من دماء النفوس ، والسهام قد التزمت أنها لا تتخذ كنائنها إلَّا من النّحور ، ولا تتعوّض عن حنايا القسىّ إلا بحنايا الأضالع أو لترفّعها لا تحلّ إلَّا في الصدور ، والدروع قد لزمت الأبطال قائلة : لا أفارق الأبدان حتى تتلى سورة الفتح المبين ، والجياد حرّمت وطء الأرض وقالت لفرسانها : لا أطا إلَّا جثث القتلى ، ورؤوس الملحدين . فلا ترى إلا بحرا من حديد ، ولا تشاهد إلا لمع أسّنّة أو بروق سيوف تصيد الصيد [ 4 ] ، والسلطان قد أرهف ظباه [ 5 ] ليسعّر بها في قلوب العدى جمرا . وآلى أنه لا يورد سيوفه الطلى بيضا إلا ويصدرها حمرا ، والإسلام كأنه بنيان مرصوص ، ونبأ النصر على مسامع أهل الإيمان مقصوص ، والنفوس قد أرخصت في سبيل اللَّه ، وإن كانت في الأمن غالية ، وأرواح المشركين قد أعدّ لها الدّرك الأسفل من النار ، وأرواح المؤمنين في جنة عالية . ولما كان بعد الظهر أقدم العدو - خذله اللَّه - بعزائم كالسيوف الحداد وجاء على قرب من مقدمنا ، فكان هو والخذلان على موافاة ، وجئنا نحن والنصر على ميعاد ؛ وأتى كقطع الليل المظلم بهمم لا تكاد لولا دفع اللَّه عن بزاتها
--> [ 1 ] سورة آل عمران آية 126 . [ 2 ] سورة البقرة آية 250 . [ 3 ] سورة البقرة آية 249 . [ 4 ] الصيد : جمع أصيد ، والمراد به البطل الشجاع ( لسان العرب ) . [ 5 ] الظبا : حد السيف ( محيط المحيط )